تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الشهادة الثانية: في ساحة التعري قتلوا باسل!

 

الشهادة الثانية: في ساحة التعري قتلوا باسل!

لا يزال كابوس اعتقالي واقعًا يوميًا أعيشه. في قريتي، يطلقون عليّ لقب “خريجة السجون”، وقد أصبحت قصتي حديثهم اليومي، تُروى بصيغ مختلفة، لكنهم يتفقون جميعًا على أمر واحد: ازدرائي. كثيرًا ما تُوجَّه إليّ اتهامات جارحة؛ أما “الألطف” بينهم فيكتفي بالابتعاد عني وعن عائلتي. لا أملك ردًا سوى الدموع. سئمتُ النظرات العدائية، فحبستُ نفسي في منزلي ونادرًا ما أخرج. ولا أعلم إن كانت طريقة تعامل قريتي مع المعتقلات السابقات تشبه ما يحدث في مناطق أخرى.

ابني، الذي يبلغ اليوم ثلاثين عامًا، يعاني من إصابة في الرأس. مع بداية الثورة، انشقّ عن النظام. وفي أحد الأيام، جاءه عدد من شباب القرية، مستنكرين إقامتي معه بعد خروجي من الاعتقال، وحرّضوه على قتلي “لغسل العار”.

فأجابهم: “هذه أمي، وأنا فخور بها. لم ترتكب أي خطأ، ولم تدخل السجن بإرادتها.”

ظل ابني سبعة أشهر في هذا الوضع يدافع عني. وكلما أسكت ألسنتهم الجارحة، لاحقوه بالتلميحات والسخرية. وعندما هجّرنا النظام قسرًا بالباصات الخضراء من ريف حمص إلى الشمال السوري، اخترنا السكن في سراقب كي لا نرى أحدًا من أهل قريتنا. لكن القصف العنيف اضطرنا للنزوح مجددًا إلى قرى عفرين. هناك أيضًا لاحقتني قصتي، في تصرفات الناس ونظراتهم التي لم تختلف عمّا رأيته في قريتي. استمر ابناي في المعاناة من رفض المجتمع لي، حتى تعبا، وبعد ثلاث سنوات قررا مغادرة المنطقة هربًا من كلام الناس. حاولا اصطحابنا معهما، لكني أخبرتهما أن قدري سيلحق بي أينما ذهبت، وتوسلت إليهما أن يذهبا وحدهما ويبنيا مستقبلهما، فقبل قلبي بذلك.

بقيت وحدي مع ابنتيّ الصغيرتين. أعيلهما من عملي في الخياطة على ماكينة يدوية، وما يتبقى أنفقه على أدويتي لعلاج أمراض ما زالت ترافقني نتيجة التعذيب. بصعوبة أستطيع إبقاءهما في المدرسة. الصغرى وصلت الصف الرابع، وأختها أمل في الصف العاشر. أمل ترفض الزواج المبكر، خلافًا لأختيها الأكبر اللتين تزوجتا منذ سنوات. تقول لي دائمًا: “أنتِ تاج رأسي، وأنا فخورة بكِ يا أمي. لا يهمني كلام الناس. سأكمل دراستي، وأصبح محامية، وأستعيد كل حقوقك.” لديها شخصية قوية؛ ذات يوم ضربت رجلًا في الحي لأنه تحرش بي. تفهم وضعنا المادي الصعب وتتخلى عما تطلبه باقي الفتيات. تقوّيني عندما أضعف، لذلك لا أخاف عليها بقدر خوفي على الصغيرة. الصغرى تنادي أخاها “أبي”، فهي لا تتذكر والدها الحقيقي، ويصعب عليها فهم سبب رحيله، أو لماذا لا أستطيع شراء بسكويت لها مثل زميلاتها، أو حذاء جديد كلما ضاق القديم.

في السابق، كنت أعيش حياة طبيعية مع زوجي وأطفالي، وأعمل في مشفى البر في حمص. ومع بداية الثورة، تطوعت سرًا مع المعارضة للعمل في مشفى الوليد الذي كان يعالج الجرحى. يوم قصف النظام منطقة الجزيرة السابعة في حي الوعر، امتلأ المشفى بالجرحى حتى نفدت المعقمات والشاش. قال لي الدكتور عبيدة: “سارة، أنت تعملين معي في مشفى آخر. من أجل الأطفال الجرحى، ساعديني في جلب الشاش والمعقمات من مشفى البر.”

ترددت في البداية، فقال: “سأكون مناوبًا معك، وعندما توزعين وجبات العشاء، تعالي إليّ.” وعندما ذهبت إليه، قال: “أمّنت الكمية المطلوبة، وعند حلول الليل تأخذينها.” عند منتصف الليل، أخذت كيس القمامة الذي بداخله المستلزمات وسلمته لشاب عند الحاوية، فنقلها إلى مشفى الوليد. كررت ذلك أسبوعًا كاملًا.

لاحظتني موظفة علوية وسألتني عن سبب خروجي ليلًا. ادعيت أنني اشتريت فطائر، وكنت قد أعددت ذلك مسبقًا كحجة. لم تبلغ عني على ما يبدو، لكني توقفت احتياطًا.

بعد أيام، استلمت راتبي وذهبت إلى أولادي في الريف، لكن عند حاجز البحوث أوقفوني وقالوا إنني مطلوبة، ونقلوني إلى فرع الأمن العسكري في حماة. دام اعتقالي أكثر من شهرين، وأفرج عني مقابل مبلغ مالي دفعه أولادي بمساعدة الدكتور عبيدة.

توقعت أن أجد زوجي بانتظاري، لكن أولادي أخبروني أنه طلقني، معتبرًا أنني أصبحت “عارًا” عليه. ذهبت إلى إخوتي، فوجدت بعضهم يشاركه الرأي، وآخرين عاجزين.

عدت إلى عملي في حمص، أحمل ورقة “موافقة أمنية” تسهّل مروري على الحواجز. لكن ذلك أثار الشبهات، فاعتقلتني مجموعة مسلحة تابعة لما سُمّي بالجيش الحر، واتهمتني بالتجسس. لولا تدخل الدكتور عبيدة لقتلوني. أعادوني إلى مشفى الوليد واعتذروا لي.

بعد ذلك، توقفت عن المساعدة خوفًا على نفسي. لكن عندما سمعت أطباء موالين يتحدثون عن علاج حروق الفوسفور، أسرعت إلى مشفى الوليد وأبلغت الأطباء، وتم إنقاذ فتاة بهذه الطريقة. لاحقًا، اشتبهت بي الموظفة نفسها مجددًا، لكني التزمت الحذر.

بعد أشهر، اعتُقلت مرة ثانية عند حاجز تقسيس، ونُقلت إلى فرع حماة. تعرضت لتعذيب شديد: ضرب على القدمين، حرق جسدي بأسلاك ساخنة، جلسات تعذيب متكررة، وانتزاع أسناني بالكماشة. بقيت صامدة رغم الألم.

في المعتقل، شهدت فظائع لا تُحتمل. في ما كانوا يسمونه “ساحة التعري”، كانوا يجبروننا على مشاهدة اغتصاب الفتيات. رأيت ثلاث فتيات يُجرّدن من ملابسهن ويُعتدى عليهن أمام الجميع. حاول شاب شجاع اسمه باسل الهرموش الدفاع عنهن، فقتلوه فورًا. استمروا في الاغتصاب بلا رحمة.

كانت الفتيات يصرخن ويتمنين الموت. إحدى الفتيات، عفراء، لم تتحمل فأنهت حياتها بقطع شريانها. كما شهدت ولادة امرأة في السجن دون أي رعاية، وحاولت قتل طفلها من شدة الصدمة.

استمر التعذيب، وشاهدت موت معتقلين يوميًا. ثم عرضوا عليّ صفقة: بطاقة أمنية، وراتب شهري، مقابل التعاون معهم وإعطائهم معلومات. وافقت ظاهريًا للخروج. أفرجوا عني ومنحوني بطاقة أمنية.

عند عودتي، أخبرت أولادي بالحقيقة. أحرق ابني البطاقة والمال، وقال: “لا نريد شيئًا منهم.” وافقته، وتركت عملي نهائيًا.

لكن المأساة استمرت: اعتُقلت أختي لاحقًا، واختفت لثلاث سنوات دون أثر.

أفكر بها دائمًا، وأتمنى لو ماتت كي لا تعاني ما عانيته. أتساءل أحيانًا: هل أنا فعلًا عار؟ وهل كان كل هذا الثمن يستحق؟ أتذكر باسل وعفراء ونبيلة، وأسأل: من يستحق كل هذه التضحيات؟

لقد اعتقلني النظام مرتين: الأولى مقابل المال، والثانية مقابل الخيانة.